من انت ايها الطالب؟ وكيف أقيم تصرفاتك؟ بماذا مررت حتى وصلت إلى مقعدك الدراسي منهمكًا ووجهك هائم؟ ترى ماذا رأت […]
المقدمة
“أثر الفراشة لا يرى، أثر الفراشة لا يزول” – محمود درويش
التعليم ليس مجرد مهنة، ولا هو مهنة كباقي المهن؛ هو إيماءة سحرية ورسالة من نور يحملها المعلم وينقل بها طلابه من الظلمات إلى النور. يحمل هذا الكتاب في سطوره وبينها كلمات من نور تعبر عن قصة شفائي من صدمات مررت بها في طفولتي، وكيف كان طلابي سببًا في رجوعي إلى نفسي. أضع بين أيديكم قصة لأثر الفراشة الذي بقي مطبوعًا في روحي ودفعني إلى أن أنمو وأتعلم وأتطور. هذا الكتاب هو ولادة جديدة لمفهوم مهنة التعليم.
لهذا أقدم لكم طرقًا تعليمية قد استلهمتها من رحلتي التعليمية والمهنية والتي تحقق هدف رسالتنا كمعلمين ورسل للمحبة وناشرين للنور.
رسالة من المستقبل
إلى كلّ المعلمين والمعلّمات الذين وجدوا أنفسهم بين جدران المدارس ليـُلقّنوا المواد ويصحّحوا أوراق الامتحانات والاختبارات، إلى اولئك الذين يريدون أن يصنعوا المعجزات بأن يحصل طلابهم على أعلى النسب في الامتحانات ليتباهوا بأنفسهم أمام زملائهم من المعلّمين أو ليُثبتوا شيئًا ما بأنفسهم، أقول لكم، الان، وأنتم تسلكون هذا الطريق لا تنسوا أن تسألوا طلابكم عن شعورهم وعن آلامهم، وتذكروا أن كل طالب في الصف هو روح لا تُقيّم بالأرقام، بل بالحب والشعور. لا تستهينوا بذلك السؤال البسيط عن الحال؛ فهناك طلاب ينتظرون هذا السؤال بفارغ الصبر ليعبروا عمّا في دواخلهم من مشاعر الألم أو الحزن او حتى الفرح. كونوا لطفاء، لأنكم لا تعرفون المعارك التي خاضها كل طالب قبل دخوله الى غرفة الصف. أَكتب لكم رسالتي من بعد بعيد، لا لأُعطيكم درسا في حب هذه المهنة المقدسة، بل لأوجّه حماسكم الى اكتشاف ذواتكم وإلى جسور من نور ستعبرونها من خلال قصص طلابكم وستصلون الى عمق ارواحكم بها. ستحملون أوراق الامتحانات معكم الى البيت وتسهرون لإنهاء تصحيحها، لا تنسوا وأنتم تصحّحون أوراق الطلاب أن تخترقوا الكلمات وتستشعروا حال الطالب صاحب الامتحان، لا تنسوا قصته الحزينة وأحلامه البسيطة بأن يحصل على علامة كاملة، لا تتعالوا على أصواتهم واصغوا لأجوبتهم بهدوء، ستدخلون الصفوف وأنتم تحملون خطط الدروس لكن ما ستمنحونه أعمق من المحتوى. سيأتيكم طالب لا ينظر في عينيكم وآخر يتلعثم حين يقرأ وثالث يحاول أن يبدو صلبا وهو يتفتت من الداخل، لا تنخدعوا بالهدوء ولا تخيفكم الفوضى فالأرواح لا تتعلم في نظام صارم بل في حضن من يفهمها.
في بداية الطريق ظننت أنني من يصنع الفرق في حياة طلابي، لكنني اليوم أعترف أنهم هم من صنع الفرق في حياتي. كل طالب منهم أعاد لي جزءًا من إنسانيتي وكل طالبة رأت فييّ أمًّا أعادت ترتيب جراحي بلطفها. نحن لا نعلّم فقط، بل نبعث من جديد مع كل صباح مع كل سؤال بريء ومع كل دفتر رسمت عليه طالبة حلمها بأن تصبح مثلي.
قد تشعرون أحيانا بالعجز، بالإرهاق، بالخذلان، ستبكون في صمت حين لا يلاحظ أحد جهودكم، لكن ثقوا أن الجذور التي تزرعونها الآن ستنبت بعد أعوام وربما عقود وسيأتيكم رسالة او نظرة او دعاء يشهد أنكم كنتم الضوء حين أظلمت دروب الآخرين. كونوا مرنين، كونوا بشريين لا تصنعوا من أنفسكم تماثيل للكمال. اسمحوا لأنفسكم أن تخطئ، أن تعتذر وأن تتعلّم من طلابكم كما يتعلّمون منكم. التعليم ليس سلمًا نصعده، بل رحلة نرافق فيها أرواحا في طور التكوين. كونوا رفاقا لا قضاة. في نهاية كل عام، لا تحصوا ما أنجزتم بالأرقام، بل اسألوا أنفسكم من هو الطالب الذي شعر انه مرئي؟ من الذي ضحك من قلبه في الصف؟ فهذا هو الأثر الحقيقي وهذا هو التعليم الذي عرفته. كونوا كالفراشة أثرها لا يرى ولا يزول.
بمحبة أبدية،
– معلمة من المستقبل
ها هو قطار الحياة يمرّ بي، وعندما أقول يمر بي، أقصد أنني أعيش كل لحظة من ركوبي فيه؛ فهو يقف في كل محطة ليدلّني على الطريق، وعلى ذلك الشيء الذي طالما انتابني شعور أنني انتظره. ترى ماذا أنتظر؟ أهو حدث يغيّر حياتي، أَم شخص يأخذني من المجهول إلى المعلوم، أم هو مجرد شعور بفراغ مملّ يدفعني للتخيل وبناء واقع يطيب لي ويناسبني؟ لا أدري، ولكني أشعر دائمًا بشيء ما ينقصني.
حلم
عندما كنت صغيرة، كان حلمي أن أصبح مدرّسة. كنت أعود من المدرسة، انتعل حذاء أمي، وأبدأ بتقليد معلمتي خلال اليوم الدراسي. كانت أمي تقول لي: “إن أصبحتِ مدرّسة ستكونين مميّزة” زرعت أمي الحلم بداخلي، وكانت معجَبتي الأولى وملهمتي التي ستبقى تعلّمني أن الحياة مليئة بالتحديات، وأننا يجب أن نحارب لنحقق أحلامنا. آمنتُ من صغري أن الأحلام وطنٌ لن نسكنه إلا حين تتحقق، ولكي تتحقق يجب علينا المحاربة لبنائه ووضع الحدود اللازمة لحمايته. كبر حلمي معي، وحين اقتربت المدرسة الثانوية من نهايتها، كنت قد وصلت الى حافة الحلم، حيث التحقت بالكلية لتأهيل المعلمين. كانت بداية الطريق إلى حلمي مميّزة. كان عليّ أن أجري مقابلة مع المسؤولين عن قسم اللغة الإنجليزية لكي يتم قبولي للتعليم. فوجئتُ بمعلمتي التي علّمتني في المرحلة الإعدادية، والتي كانت ملهمتي الثانية بعد أمي. لا أستطيع أن أصف شعوري حينها؛ فقد طُبع بذاكرتي. في الواقع لم أشعر بشيء، فقد تجمدت كل حواسي حين رأيتها تجلس وتنتظر الطالب التالي لتجري معه المقابلة. دخلت إلى المقابلة وفي ذهني العديد من التساؤلات، منها هل ما زالت تذكرني؟ وهل ستفرح لرؤيتي وأنا طالبة تشق طريقها في عالم الأكاديمية. جلست في الكرسي الأمامي الموجه لأعضاء اللجنة ونظرت إليها، فرأيت الابتسامة تلمع في عينيها. ابتسمت لها بعينيَّ وفرحت. كانت هذه أول مرة أمارس فيها لغة العيون، فهي أقوى من كل لغات العالم. كم أردت أن أنهض من مكاني وأحضنها، ولكني تراجعت واكتفيت بابتسامتي لها. ربما كانت هذه علامة بعثها الله لي ليقول لي إنني على الطريق السليم. فالله يرسل لنا العلامات والإشارات التي ترشدنا إلى الطريق الصحيح.
معلمتي وملهمتي
كيف لشخص معين أن يأخذك منك ويعيدك إليك. كيف له أن يتيح لك فرصة من التخيل ويثير فيك حب الاستطلاع فتريد أن تكتشف عالمه ومحيطه. وكيف له أن يسمح لإحساس الدفء أن يتسلل لداخلك وتكتشف أن هناك -أقصد داخلك- محيطًا من الأفكار والأحلام يستحق الغوص في أعماقه لتكتشف كنوزك المكمونة، هل هذه هي قوة التأثير؟ هل هذا هو الإلهام؟ بغضّ النظر عن المسميات فإن الشعور يقول نعم.
كانت معلمة اللغة الإنجليزية تعاني إعاقة في قدمها. كانت تدخل للصف متأرجحة فبرغم إعاقتها كانت تتكئ على روحها القوية، لم أرها يوما تمشي بعكّازة، فشموخها كان أقوى وسمو نفسها كان أرقى. كنت أنتظر درس اللغة الإنجليزية بفارغ الصبر عكس زملائي، فهم يعتقدون أن اللغة الإنجليزية صعبة للغاية وأن معلمتنا قاسية بعض الشيء. إلا أنني لم ألمح يومًا القسوة في عينيها، بل على العكس تماما. فقد كنت أرى لمعة غريبة في عينيها تشدني للتركيز بكل كلمة تقولها. كانت تتمتع بلهجة مميزة. هي ملهمتي ببساطة لأني تعلمت الإصرار وتحدي الصعوبات منها. علمتني أن الصبر والتحدي والإصرار على الهدف هم من أشد الأسلحة التي يجب التسلّح بها لحماية وطن أحلامي. ها أنا اليوم أقلّب صفحات ذاكرتي لأوقن أن الله يبعث لنا أشخاصا أو مرشدين لنتعلم منهم ولنسير على خطاهم. اليوم اكتشفت أن هؤلاء المبعوثون من عند الله لا يمكن أن يتركوا في حياتنا إلّا الإلهام ورسائل تحمل بداخلها طاقة هائلة من النور لدروبنا. كان قراري بأن أصبح معلمة للغة الإنجليزية قد أُسِّسَ عند انتهاء المرحلة الإعدادية، وكيف لا وأنا أرى حياة كاملة تدرّسني وتبهرني يوما بعد يوم. دخلت إلى المرحلة الثانوية وكان موضوع اللغة الإنجليزية أكثر المواضيع المفضلة لدي. ثلاث سنوات في المرحلة الثانوية مرّت كلمح البصر. يقولون إن الوقت الممتع والسعيد يعدو ويركض وهكذا كان.
التقيت بملهمتي في السنة الأولى في الكلية حيث أنها درستني ورافقتني ثلاث سنوات في الكلية. شعرت أنني بين عالمين، الأول العالم المادي الذي نعيش فيه، حيث معلمتي وملهمتي تقف إلى جانبي وتدرسني في أهم مراحل حياتي، والثاني هو عالم سماوي تكون به السعادة عنصر أساسي والعلو بالروح شيء يبعث فينا روح الإبداع والحلم. إن السعادة حين تأتي للإنسان تأتي خلسة فإما أن نستقبلها وإما أن نتجاهل وجودها. وما فعلته أنا آنذاك هو الدخول بدائرة السعادة والانفجار. فكما قال محمود درويش “وإذا جاءك الفرح، مرة أخرى، فلا تذكر خيانته السابقة. أدخل الفرح، وانفجر”. انفجر الفرح بداخلي وكنت أشعر بكل لحظة كنت أقضيها على مقاعد الدراسة. اللحظات كانت تمر من خلالي وتترك بداخلي شيئا منها. مرت أربع سنوات كلمح البصر. أنهيت أول خطوة من حلمي- تخرجت من كلية تأهيل المعلمين وانتظرت عرضا للعمل في إحدى المدارس.
لم أكن أعلم أن دخولي في مجال التربية والتعليم سيغيّر حياتي ويصقلها. كنت أظن أن مهنتي وصفتي كمعلمة ستكون فقط بين جدران المدرسة. كان تعريفي للمدرسة يقتصر على أنها مبنى ذو جدران كثيرة يجلس فيه الطلاب لتلقي المعلومات ويختبرون فيها وعليه يحدد مستواهم التعليمي. بدأت مسيرتي التعليمية بعد إنجابي لطفلي الأول. مشوار طويل قد ابتدأ بخطوة. كان مشواري اليومي إلى يافا عروس البحر حيث استغرق السفر مدة ساعة على الأقل ذهابا وإيابا، فقد قال لي المسؤولون أنه في البداية يجب عليك العمل خارج بلدك الأصلي لكي يتسنى لك كسب سنوات الخبرة ومن ثم الانتقال للعمل في بلدك أو بالقرب منها. دخلت إلى عالم التعليم بكل أحلامي وطاقاتي.
في السنة الأولى من دخولي في مجال التربية والتعليم ظننت أنني سعيدة لأنني وأخيرًا وجدت مهنة محترمة أستطيع من خلالها الحصول على مرتبٍ محترم للعيش بكرامة، ولإكمال حلم قديم. ظنًا مني أنني قد حققت حلمي ووصلت إلى ما أردت، ومع مرور سنوات من التجربة أدركت أن حلمي توسع، وكان ما حلمت به طوال حياتي وهمًا. صحيح أني وصلت إلى حلمي، ولكنني لم أشعر بتلك النشوة بعد الوصول. فيشهد الله أنني سعيت ومشيت لتحقيق ما أردت.
ولكن، عندما وصلت أدركت أنه ثمة أشياء أخرى تنقصني. فصورة معلمتي التي طبعت في ذهني عادت لتحتلّني من جديد. شعرت أنها تحدثني من ذلك البعد البعيد، من عالم خفي لا أدري إن كان مصدره من روحي أم أنه هناك في مكان ما في هذا العالم الواسع. حدّثتني روح معلمتي قائلة: “كوني نفسك حتى في مهنتك”، لم أفهم كيف أكون نفسي في مهنة هدفها تصدير معلومات مكّونة من عبارات، قوانين، اختبارات وأرقام. كيف أفعل هذا؟ وما هو المكون السري الذي تريدني أن أبحث عنه؟ استمرت هذه الأسئلة باستفزازي، فقررت أن أبحث عنها. الخطوة الأولى كانت في تركيزي وحضوري الكامل في مساحتي بين الطلاب، وفي غرفة الصف وبين تلك الجدران الأربعة. نظرت لكل زاوية فيها وسألت نفسي: كم روح جلست هنا؟ كم روح شعرت بالفخر، بالألم والخذلان؟ ربما كانت هناك أرواح طارت وحلّقت في السماء، وربما كانت هناك أرواح منطفئة تستوعب من المواد ما هو لازم وضروري للحصول على علامة تقييم لمستواها الفكري أو مدى استيعابها ومعرفتها في ذلك الموضوع الذي علّموه ليختبروها به. تُرى بماذا كانت تشعر تلك الأرواح؟ في تلك اللحظة التي كانت المعلمة أو المعلم يقف ويشرح لمدة تسعين دقيقة أو نصف هذه المدة ربّما بالملل أو التشويق أو ربما المتعة، لا أدري. ولكنني أدركت أنني أملك الآن مسؤولية الرد على كل هذه الأسئلة التي تدور في ذهني. ست سنوات قد مضت من مسيرتي، وأنا أبحث عن أجوبة لتلك الأسئلة العالقة في ذهني. وجدت بعض الأجوبة ونفذتها، فكانت انطلاقتي بالشعور بالمتعة في داخلي، وأنا أقف في مملكتي. أدركت أنه لكي أجيب على هذه الاسئلة يجب عليّ التركيز في تلك الأرواح التي تجلس أمامي. لحظة… لماذا أسميها “أرواح” أوليس الاسم المتداول “طلاب” أو “تلاميذ”؟ ولماذا أطلق على الصف اسم “المملكة”؟ هذان المسميان هما السبب لولادة أفكاري والإلهام الذي جعلني معلمة ذات بصمة مميزة. نعم، فالصف هو مملكتي التي هي وطني. هل تتخيل أن تكون حرًا في وطنك، تفعل ما شئت من أجل أن يكون الأفضل، وحتى يشعر مواطنو هذه المملكة أنهم مميّزون فخورون بانتمائهم لها؟ حين أدركت هذه الحقيقة ولدت أفكاري في نفس اللحظة.
ولادة من جديد
في تلك المملكة ومع شعور جديد قد وُلِدَ، وجدت أشياء كثيرة كانت تائهة عني ومني، كالحب والشغف، وتلك العيون التي تنظر إليّ منتظرة مني شيئًا ما، ربما كان هذا الشيء عطفًا أو ربما اهتمامًا، أو ربما شيئًا آخر أعمق أنا لم أدركه بعد. فقد رأيت عيونًا لطلابي تلمع من شدة الاهتمام، ورأيت عيونًا أخرى منطفئة. لا أعلم سبب انطفائها، ولكنه نفس السبب الغامض الذي أشعل بروحي اللهفة والفضول. أردت أن أعرف وبشدة ما هو السبب وراء انطفاء طالب قد قطع فقط نصف طريقه في المدرسة ولم يصل بعد لمرحلة هي الأهم في حياته. إنه فقط في بداية الرحلة، ما الذي جعله منطفئ لهذا الحد؟ ترى ما الذي رآه او شعر به حتى يؤدي به إلى هذا الحد من الانطفاء وعدم الشغف أو بكلمات أخرى إلى وصوله لمقعد الدراسة رغما عنه. في الحقيقة، مقدار فرحتي بأولئك الطلاب المشتعلين الممتلئين بالشغف واللهفة وحبّ التعليم والمعرفة كان يعادل تماما حيّرتي تجاه أولئك الطلاب المنطفئين الذين باتوا أرقامًا تجلس على الكرسي في الصف لتأخذ حيزا من مساحة الصف الكلية؛ أرقام تفقد المعنى وأرقام تضيف قيمة مادية فقط. بعض الزملاء يعتبرون هؤلاء الطلاب مصدرا للإزعاج في الصف ولا يأبهون لهم ويتجاهلونهم بكل ما يحمل التجاهل قسوة بمعانيه الباطنة والظاهرة. أما بالنسبة لي، فقد كنت أعتبرهم التحدي الحقيقي والكبير الذي سيمكننا نحن جمهور المعلمين اجتياز الامتحان الصعب أو بكلمات أبسط حل المعادلة الصعبة وهي التوازن السلوكي تجاه الطلاب المختلفي الأنماط والسلوك والذين يجلسون على مقاعد الدراسة ويتشاركون نفس المعلومات والمصادر التعليمية ولكنهم يختلفون كليا بمعاييرهم وطموحاتهم وحتمًا بطريقة رؤيتهم لنا كمعلمين. نعم، هذه هي الحقيقة التي أدركتها. أدركت أن بعض الطلاب قد يرونني رسولا وملاكا حارسا، وبعضهم قد يراني فقط مصدرا للمعلومات ومصدرة أرقام او حاكمة قد تحكم عليهم من خلال أوراق الامتحانات والاختبارات. أما عن تلك الفئة المنطفئة فقد تراني شفافة بمعنى أنها لا تراني أساسا، وبالمعنى الباطن للتعبير لا تراني أي أنها تعتبرني بدون معنى بالنسبة لها. وما هو المعنى بالنسبة لطالب بدون الأمل؟ هنا سأقف قليلا، لأن من فقد الشيء يعرف قيمته الحقيقية، ذلك الطالب الذي فقد الأمل قد عاشه في مرحلة ما من حياته وربما كان سعيدا به. لا أدري في أي مرحلة فقده وكيف كانت الظروف التي فقده من خلالها، ولكنني متأكدة أنه يدرك تماما معنى الأمل وتأثيره على حياته. هذه الحقيقة جعلتني أدرك أن مهمتي ودوري الأساسي كمعلمة هو استرجاع الأمل له مهما كلفني ذلك من جهد وطاقة. فدوري الأساسي هو العدل بين مواطني مملكتي وعدم التحيز او التفريق بينهم.
فضول
استطعت وبفترة وجيزة التقرّب من فئة الطلاب المنطفئين واكتشفت وباستغراب أنهم مصدر سعادة بالنسبة لي. ففضولي للتعرف على تفاصيل حياتهم واهتمامي بأبسط واحد فيهم زاد من اقترابي لهم ومحا كل مسافات الأحكام المسبقة بيني وبينهم. في البداية هم لم يأبهوا بي ولم يعطوني أي اهتمام، ولكن إصراري على معرفتهم والتعمق بشخصياتهم وضعهم أمام حائط الاستسلام لا أدري كيف رأوني والحقيقة أنّني لا أهتم، ولكن هدفي الأساسي كان إعطاؤهم الأمل وأن هناك من يهتم بكم، أنتم موجودون هنا ولكم شخصياتكم الخاصة وبصماتكم التي سوف تكون لها أصداء.
אין עדיין תגובות